ننتظر تسجيلك هنا



إضافة رد
  #1  
قديم 03-24-2020, 06:22 PM
الصورة الرمزية ᎻᏦᎯ ᎽᎯ
ᎻᏦᎯ ᎽᎯ ᎻᏦᎯ ᎽᎯ غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Aug 2019
المشاركات: 6,615
افتراضي المسلمون في تبوك

ندب رسولُ الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - إلى الخروج لهذه الغزوة، وكان الوقت حَرًّا شديدًا (سبتمبر - أكتوبر سنة 630م)، كما كان القحط ضاربًا بجرانه، فلم يرضَ خُلُق رسول الله أن يورِّي في هذه الغزوة كما ورَّى بغيرها؛ إذ كان الخطْب عظيمًا لا يحتمله إلا أولو العزم من الرجال.



وحين استنفر - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - المسلمين، وأمرهم بالصدقة، وحثهم على الحملان (ما يحمل عليه من الدواب)، قام هذا النفر الجليل بما لم يكن يدور بخلد إنسان، ولا عجب في ذلك؛ فإنهم القوم الذين نهض الدِّينُ على سواعدهم، وشب وترعرع على كواهلهم، وهم هذه الحفنة القليلة التي نشرت الدين شرقًا وغربًا، وثلُّوا عروش الأكاسرة والعباقرة، وأقاموا مكانها في الأرض سياسة المسلمين التي لا تعرف ظلمًا ولا هضمًا، ولا ترضى استكبارًا ولا استعلاءً، وهم الذين آثَروا اللهَ والدار الآخرة على حطام الدنيا، وهم الذين لم يأخذوا عَرَض هذا الأدنى ويقولون: سيُغفر لنا، بل هذه فئة طهَّرها اللهُ من الرجس تطهيرًا، ونزَّهها عن الدنس والشح تنزيهًا.



جاء أبو بكر - رضي الله عنه - بأربعين ألف درهم، وهي ماله كله، وما أنت بناسٍ هذه المحاورة التي حصلت بين الرسول وأبي بكر في هذا السخاء الخارق، وتلك التضحية الفارعة، وذلك حين يقول الرسول - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - لأبي بكر: ((هل أبقيتَ لأهلك شيئًا؟))، فيقول أبو بكر تلك القولة الطيبة الراضية: "أبقيتُ لهم اللهَ ورسولَه"، وجاء عمر - رضي الله عنه - بنصف ماله، فسأله الرسول: ((هل أبقيتَ لأهلك شيئًا؟))، قال: نعم، نصف مالي، والرسول - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - هو الذي وهبه ربُّه الحكمةَ والكياسة، وهو المسؤول عن أمته، وهو أولى بهم من أنفسهم، وهو الذي يقول لسعد بن أبي وقاص: ((الثلث والثلث كثير، إنك أنْ تذَرَ ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تتركهم عالةً يتكففون الناس))، فليس بغريب أن يسأل أصحابَه - رضوان الله عليهم -: ماذا تركتم لأهليكم.



وجاء عبدالرحمن بن عوف - رضي الله عنه - بمائتي أوقية، وتصدَّق عاصم بن عدي بسبعين وسقًا من تمر، أما عثمان، فقد كان له القدح المعلَّى في هذه الغزوة، كما كان له القدح المعلى دائمًا حين يتطلب الأمرُ سماحةَ الأغنياء، وبذْلَ الموسرين؛ فقد جهز - رضي الله عنه - ثلث الجيش، وفي ذلك يقول قال قريبًا من هذا القول ابن هشام، ومن هو ابن سماحة؟: أنفق عثمان - رضي الله عنه - في جيش العسرة نفقة عظيمة لم يُنفِقْ أحدٌ قبلها، وأيُّ شيءٍ؟ ألف دينار يجيء بها عثمانُ في كمه وينثرها في حجر الرسول - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - فيقلِّبها الرسولُ في حجره، وهو يقول: ((ما ضرَّ عثمانَ ما عمل بعد اليوم؟))، أي شيء ذلك بجانب ما أعد اللهُ لعثمان من درجات في الآخرة، وما كتب الله له من منازل الجنة التي لا يبغي عنها الصالحون حولاً؟



هذه إحدى العِبر التي يستخلصها المسلم من هذه الغزوة المملوءة بالعظات، المفعمة بالآيات، وفيها عِبر أخرى نتركها لقراء السيرة يقرؤونها في مكانها، ويعتبرون بها ما شاء لهم الاعتبار، ولكن لا يمكن أن يُترَكَ حديث كعب بن مالك الأنصاري، وهلال بن أمية الواقفي، ومرارة بن الربيع العمري، فلهؤلاء الثلاثة حديثٌ عجب، يُضحَك من شرحه ويُنتَحب؛ فقد كانوا من خيار أصحاب الرسول - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - وتخلَّفوا عن النبي، ولم يخرجوا معه في غزوة تبوك؛ وإنما أقاموا بالمدينة وانتظروا فيها عودة النبي إليها، فصنعوا صنيعًا يشبه صنيع المنافقين من أهل المدينة وممن حولها من الأعراب، أولئك الذين رغبوا بأنفسهم عن رسول الله، واستحبوا الراحةَ على العناء والجهد، وأشفقوا على أنفسهم من عواقب الحرب، وأولئك الذين ذكرهم الله في آيات كثيرة من سورة التوبة، يلومهم ويعنِّفهم، ويأمر نبيَّه ألا يصليَ عليهم إن ماتوا، ولا يقوم على قبورهم، ويأمره كذلك ألا يقبل منهم الخروج معه بعد هذا الذنب، وقد عاقب النبيُّ هؤلاء الثلاثةَ عقابًا يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - ربما أدَّب أصحابه فبالَغَ في تأديبهم، وقسا عليهم ليزدجروا، فضاعف في القسوة؛ وكل ذلك للإمعان في التهذيب، ولأنه يربأ بالمؤمن أن يُشبِهَ المنافق في قليل أو كثير، وأننا إذا مضينا في حديث هؤلاء الثلاثة يطول بنا القول، ونحتاج إلى حيز فسيح، فنتركه، ولعلنا نعود إليه في ورقات خاصة، وننتقل الآن إلى ما حَبَا اللهُ به نبيَّه من فضل، وما أسبغ عليه من نعمة، فأظهر على يديه الخوارق، وخصَّه بفيض من المآثر.



قال ابن إسحاق: وأصبح الناس في يوم قائظ ولا ماءَ معهم، فشكَوا ذلك إلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - فدعا الرسولُ، فأرسل الله - سبحانه - سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناسُ واحتملوا حاجتهم من الماء، فهذه واحدة، وأخرى وهي أن الرسولَ سار حتى إذا كان ببعض الطريق ضلَّت ناقتُه، فقال زيد بن أبي الصلت - وكان منافقًا -: أليس محمد يزعم أنه نبي، ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟! أطلع اللهُ رسوله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - على هذا القول المليء بالمكر، والمنطوي على تكذيب الرسول، ورفض الرسالة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن رجلاً - ولم يذكر اسمه على أدبه - صلى الله عليه وسلم - يقول - وذكر مقالته - وإني والله لا أعلم إلا ما علمني ربي، وقد دلني الله عليها، وهي في الوادي في شعب كذا وكذا، وقد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها))، فذهبوا فأتوه بها، ثم تتتابع أخبار الغيب وتجري على لسانه - صلى الله عليه وسلم - بما لم يعهد في تاريخ البشرية كله، فقد مضى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - في طريقه، فجعل يتخلَّف عنه الرجل، فيقولون: تخلَّف فلان، فيقول: ((دعوه؛ فإن يك فيه خير، فسيُلحقه الله بكم، وإن يكُ غير ذلك، فقد أراحكم الله منه))، وتلوَّم على أبي ذر بعيره، فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - ماشيًا، ونزل الرسول - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - في بعض منازله، فنظره ناظر من المسلمين، فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده، فقال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم -: ((كن أبا ذر))، فلما تأمله القوم، قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو ذرٍّ، رآه - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - بعين البصيرة وبتعليم الله إياه، فلما رآه الناس بالعين الباصرة، علموا صدق الرسول فيما ارتآه، فتبارك الله مانح الهبات، ومفيض العطايا والدرجات، ثم يقول الرسول - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم -: ((رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويُبعَث وحده!)).



ويقول أبو حاتم بن حبان في صحيحه في قصة وفاة أبي ذر: عن مجاهد عن إبراهيم بن الشرف عن أبيه عن أم ذر: لما حضرت أبا ذرٍّ الوفاةُ، بكيت، فقال: ما يُبكيك؟ فقلت: ما لي لا أبكي وأنت تموت بفلاة من الأرض، وليس عندي ثوب يسعك، ولا قدرة لي على تغييبك، قال: أبشري ولا تبكي، فإني سمعت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - يقول لنفر أنا فيهم: ((ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض، يشهده عصابةٌ من المسلمين))، وليس أحد من أولئك النفر إلا وقد مات في قرية وجماعة، فأنا ذلك الرجل، فوالله ما كَذَبتُ ولا كُذِبت، فأبصري الطريق، فقلت: أنَّى وقد ذهب الحاج وتقطعت الطريق؟ فقال: اذهبي فتبصَّري، قالت: فكنت أشتد إلى الكثيب، أتبصَّر ثم أرجع فأمرِّضُه، فبينما هو وأنا كذلك، إذا أنا برجال على رحالهم كأنهم الرَّخَم، تخبُّ بهم رواحلُهم، قالت: فأشرت إليهم، فأسرعوا إليَّ حتى وقفوا عليَّ، فقالوا: يا أمة الله، ما لك؟ قلت: امرؤ من المسلمين يموت تكفنونه، قالوا: ومن هو؟ قلت: أبو ذر، قالوا: صاحب رسول - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم؟ قلت: نعم، ففدوه بآبائهم وأمهاتهم، فأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه، وهنا لا يسعنا إلا أن نوجه النظر إلى عفة ذلك الصحابي الجليل وزهده وورعه، فقد قال لهم: أبشروا؛ فإني سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لنفر أنا فيهم: ((ليموتن رجلٌ منكم بفلاة من الأرض، يشهده عصابة من المؤمنين))، وليس من أولئك النفر رجل إلا وقد هلك في جماعة، والله ما كَذَبتُ ولا كُذِبت، وإنه لو كان عندي ثوب يسعني كان لي أو لامرأتي، لم أكفَّن إلا في ثوب هو لي أو لها، فإني أنشدكم الله ألا يكفِّنني رجل منكم كان أميرًا أو عريفًا أو بريدًا أو نقيبًا، وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد قارف بعض ما قال، إلا فتى من الأنصار قال: أنا أكفنك يا عم، أكفِّنك في ردائي هذا، وفي ثوبين في عيبتي من غزلِ أمي، قال: فأنت تكفنني، فكفَّنه الأنصاري، وقاموا عليه، ودفنوه في نفر كلهم إيمان.



وذكر ابن عائذ في مغازيه أن رسولَ الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - نزل تبوك في زمان قل ماؤُها فيه، فاغترف رسول الله بيده الشريفة فمضمض بها فاه، ثم رد الماء في العين، ففارت عينها حتى امتلأت، فهي كذلك حتى الساعة.



هذه بعض آيات الله ومعجزاته ظهرت على يد النبي الأمي في غزوة واحدة، يؤمن بها من يؤمن، ويكفر من يكفر، ويستهزئ بها المستهزئون، وليس بضار الشمس وهي طالعة أن يحجب نورها على من ألقى الله على أبصارهم غشاوة، وجعل في قلوبهم قساوة.
ما ضرَّ شمسَ الضحى في الأفْق طالعةً
أن لا يرى ضوءَها مَن ليس ذا بَصَرِ

__________________

سبحان الله وبحمدة .. سبحان الله العظيم
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


| أصدقاء منتدى منجم الإبداع |


الساعة الآن 09:16 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, vBulletin Solutions, Inc.
جميع الحقوق محفوظه لـ منتدى منجم الإبداع