ننتظر تسجيلك هنا



إضافة رد
  #1  
قديم 03-24-2020, 06:15 PM
الصورة الرمزية ᎻᏦᎯ ᎽᎯ
ᎻᏦᎯ ᎽᎯ ᎻᏦᎯ ᎽᎯ غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Aug 2019
المشاركات: 6,615
افتراضي مدخل إلى علم الحكمة النبوية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم، وبعد:



فعلم الحكمة النبوية إنجاز جديد من علوم الحكمة الإسلامية، هذا العلم الذي منَّ الله سبحانه عليَّ بنعمة اكتشافه، وتم إنجاز العديد من المؤلفات فيه؛ فعلى سبيل التأسيس لعلم الحكمة الإسلامية تم إنجاز كتاب "العروة الوثقى: مدخل إلى علم الحكمة الإسلامية"[1]، وكتاب: "شرعة ومنهاج: أصول المنهج العلمي في علم الحكمة الإسلامية"[2].







وساهم علم الحكمة الإسلامية في تأسيس علم جديد في مجال علوم كتاب الله تعالى، أسميناه بـ: (علم الحكمة القرآنية)، وتم الإعلان عنه من خلال كتاب: "حكمة بالغة: الإعلان عن علم الحكمة في القرآن الكريم"[3].







وفي هذا البحث يساهم علم الحكمة الإسلامية هذه المرة بالكشف عن علم جديد ينبع من سنَّة المصطفى عليه الصلاة والسلام، أسميناه بـ: (علم الحكمة النبوية).







المبحث الأول



ما هو علم الحكمة النبوية؟



1- تعريف علم الحكمة النبوية:



علم الحكمة النبوية معنيٌّ بالدرجة الأساس بالكشف عن معاني الحكمة الكامنة في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: في قوله وفعله وتقريره، وكل ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام؛ أي إن علم الحكمة النبوية يُعنَى بدراسة كل ما يتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل بعثته الشريفة، مرورًا بولادته ونبوته وحياته ووفاته عليه الصلاة والسلام، وصولًا إلى العصر الحاضر في تتبع كل ما يتعلق بالسنة النبوية، وإلى أن يرث الله تعالى الأرض وما عليها؛ فكل ما يتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم هو مادة لعلم الحكمة النبوية...







بيَّن أبو بكر الجصاص أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم ما فعَله، أو قاله، ليُقتدى به فيه، ويداوم عليه، وهو مأخوذٌ من سنن الطريق، وهي جادته التي يكون المرور فيها، وسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجهين: قول وفعل، فأما القول: ففيه التفصيل في حكم الأقوال، والأوامر، والنواهي وغيرها، والفعل ضربان: أحدهما: فعلٌ يفعله في نفسه، ويدلنا على حكمه، لنفعله على الوجه الذي فعله، والثاني: تركه النكير على فاعل يراه يفعل فعلًا على وجه، فيكون تركه النكير عليه بمنزلة القول منه في تجويز فعله على ذلك الوجه، فإن رآه يفعله على جهة الوجوب فأقره عليه كان واجبًا، وإن كان رآه يفعله على جهة الندب فأقره عليه كان ندبًا، وكذلك الإباحة على هذا؛ وذلك لأنه لا يجوز منه أن يقر أحدًا على خلاف حكم الله تعالى؛ لأن الله تعالى إنما بعثه داعيًا إليه، وآمرًا بالمعروف، وناهيًا عن المنكر، فلو كان ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم من فعل من شاهده منكرًا، لأنكره، ووقفه على ما يجوز منه، مما لا يجوز في تركه النكير على من وصفنا شأنه، دلالة على جواز إيقاعه على ذلك الوجه[4].







إذًا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو اختصاص (الحكماء)، وهم العلماء الذين سيصرفون أعمارهم في فهم وتطبيق سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويا له من اختصاص، ويا لها من نعمة أن يختص الإنسان بأشرف وأكمل وأطهر خلق الله نبيه محمد عليه الصلاة والسلام.







وقد ذكر الإمام الشافعي أن كل ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس فيه كتاب، من ذكر ما من الله به على العباد من تعلم الكتاب والحكمة: دليلٌ على أن الحكمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل شيء منها بيانٌ في كتاب الله، فكل من قبل عن الله فرائضه في كتابه: قبِل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سننه بفرض الله سبحانه طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم على خلقه، وأن ينتهوا إلى حكمه، ومن قبِل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن الله سبحانه قبِل؛ لِما افترض الله من طاعته، فضلًا عما افترض الله سبحانه على خلقه من طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وبين من موضعه الذي وضعه الله به من دينه: الدليل على أن البيان في الفرائض المنصوصة في كتاب الله من أحد هذه الوجوه، منها: ما أتى الكتاب على غاية البيان فيه، فلم يحتج مع التنزيل فيه إلى غيره، ومنها: ما بينه عن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم بلا نص كتاب، وكل شيء منها بيانٌ في كتاب الله، ومنها: ما أتى على غاية البيان في فرضه، وافترض طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله سبحانه كيف فرضه؟ وعلى من فرضه؟ ومتى يزول بعضه ويثبت ويجب؟ فكل من قبل عن الله فرائضه في كتابه: قبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سننه بفرض الله سبحانه طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم على خلقه، وأن ينتهوا إلى حكمه، ومن قبِل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن الله سبحانه قبل؛ لما افترض الله تعالى من طاعته، ومنها: ما بينه عن سنة نبيه بلا نص كتاب، فيجمع القبولَ لما في كتاب الله، ولسنة رسول الله: القبول لكل واحد منهما عن الله، وإن تفرقت فروع الأسباب التي قبل بها عنهما، كما أحل وحرم، وفرض وحد بأسباب متفرقة، كما شاء جل ثناؤه[5].







وبيَّن القفال الشاشي أن خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنزلة الكتاب في حق لزوم العلم والعمل به؛ فإن من أطاعه فقد أطاع الله، والخبر في ثبوته من رسول الله صلى الله عليه وسلم واتصاله به، ولهذا المعنى صار الخبر على ثلاثة أقسام:



1- قسم صح من رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت منه بلا شبهة، وهو المتواتر.



2 - وقسم فيه ضرب الشبهة، وهو المشهور.



3 - وقسم فيه احتمال وشبهة، وهو الآحاد[6].







2- الحكمة النبوية في القرآن الكريم:



الكتاب الأول الذي يؤشر الحكمة النبوية هو القرآن الكريم؛ فهو المصدر الأول لدراسة الحكمة الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وقد ورد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاسم الشريف في القرآن الكريم:



قال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 144].







وقال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 40].







وقال جل شأنه في سورة محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [محمد: 2].







وقال تعالى: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الفتح: 29].







3- حب رسول الله صلى الله عليه وسلم:



ومن المسائل التي يؤكد عليها علم الحكمة النبوية حبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((فوالذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده))[7]، وعن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين))[8]، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار))[9].







4- توقير رسول الله صلى الله عليه وسلم:



من أهم مهمات علم الحكمة النبوية: التأكيد على توقير رسول الله صلى الله عليه وسلم، واحترامه بما يليق بمقامه عليه الصلاة والسلام، وقد قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحجرات: 1 - 5].







5- فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم:



لا يخفى ما لرسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل كبير اختص به المصطفى عليه الصلاة والسلام، وقد أشار إلى ذلك النبي عليه الصلاة والسلام؛ عن أبي عمار شداد، أنه سمع واثلة بن الأسقع يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم))[10]، وعن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلِّم عليَّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن))[11].







والنبي صلى الله عليه وسلم مفضل على جميع الخلائق؛ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع))[12].







والنبي صلى الله عليه وسلم "خير أهل الأرض نسبًا على الإطلاق؛ فلنسبه من الشرف أعلى ذروة، وأعداؤه كانوا يشهدون له بذلك؛ ولهذا شهد له به عدوه إذ ذاك أبو سفيان بين يدي ملك الروم؛ فأشرف القوم قومه، وأشرف القبائل قبيلته، وأشرف الأفخاذ فخذه؛فهو محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبدمناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن مَعَدِّ بن عدنان"[13].







المبحث الثاني



مسائل من علم الحكمة النبوية



ننتخب أدناه مسائل من علم الحكمة النبوية، التي ستقدم تعريفًا إضافيًّا بهذا العلم إن شاء الله تعالى:



1- بدء الوحي:



من المسائل المهمة التي يُعنَى بها علم الحكمة النبوية كيفية بداية الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أساس أن لحظة تنزيل الوحي على النبي عليه الصلاة والسلام هي اللحظة الفارقة في تاريخ المسلمين والإنسانية، ومن خلالها تأسس التاريخ الإسلامي، وبدأ كل ما يتعلق بالعقل الإسلامي بشكل عام، وفي الحديث الآتي تصف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه اللحظات الأولى لتنزيل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم:



عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلَق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - اللياليَ ذواتِ العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ((ما أنا بقارئ))، قال: ((فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني، فقال: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾ [العلق: 1 - 3]))، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجُفُ فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فقال: ((زمِّلوني زمِّلوني))، فزمَّلوه حتى ذهب عنه الرَّوع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: ((لقد خشيت على نفسي))، فقالت خديجة: كلا، والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتَصِل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتَكسِب المعدوم، وتَقرِي الضيف، وتُعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبدالعزى ابن عم خديجة، وكان امرأً تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عَمِي، فقالت له خديجة: يا بن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا بن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أومُخرجيَّ هم؟!))، قال: نعم، لم يأتِ رجلٌ قط بمثل ما جئت به إلا عُودِي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم ينشب ورقةُ أن توفي، وفتر الوحي"[14].







2- مراتب الإسلام والإيمان والإحسان:



حدد النبي عليه الصلاة والسلام مفهوم كل من الإسلام والإيمان والإحسان في الحديث الآتي:



عن يحيى بن يعمر قال: كان أولَ من قال في القدر بالبصرة معبدٌ الجهني، فانطلقت أنا وحُميد بن عبدالرحمن الحِمْيري حاجَّيْنِ - أو معتمرين - فقلنا: لو لقينا أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوُفِّق لنا عبدالله بن عمر بن الخطاب داخلًا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شِماله، فظننت أن صاحبي سيكِل الكلام إلي، فقلت: أبا عبدالرحمن، إنه قد ظهر قِبلنا ناسٌ يقرؤون القرآن، ويتقفَّرون العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أُنفٌ، قال: (فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريءٌ منهم، وأنهم برآء مني)، والذي يحلف به عبدالله بن عمر (لو أن لأحدهم مثل أُحد ذهبًا فأنفقه، ما قبِل الله منه حتى يؤمن بالقدر)، ثم قال: حدثني أبي عمرُ بنُ الخطاب قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحدٌ، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفَّيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا))، قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: ((أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره))، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))، قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ((ما المسؤول عنها بأعلم من السائل))، قال: فأخبرني عن أمارتها، قال: ((أن تلِدَ الأَمَة ربَّتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان))، قال: ثم انطلق، فلبثت مليًّا، ثم قال لي: ((يا عمر، أتدري من السائل؟))، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ((فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم))[15].







الخاتمة



علم الحكمة النبوية علم جديد من علوم (الحكمة الإسلامية)، يختص بكل ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبموجب هذا العلم سيتجه العلماء والحكماء بالبحث والدراسة والفهم والتفتيش في الكنوز التي اشتملتها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل تطبيقها على أفضل وجه.







إذًا كل ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مادة لعلم الحكمة النبوية ...







المصادر والمراجع



• ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد، شمس الدين (المتوفى: 751هـ): "زاد المعاد في هدي خير العباد"، ط 27، مؤسسة الرسالة، بيروت - مكتبة المنار الإسلامية، الكويت، 1415هـ /1994م.







• البخاري، محمد بن إسماعيل، أبو عبدالله الجعفي: "الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه"، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، ط1، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبدالباقي، 1422هـ.







• الجصاص، أحمد بن علي أبو بكر الرازي الحنفي (المتوفى: 370هـ): "الفصول في الأصول"، ط2، وزارة الأوقاف الكويتية، 1414هـ - 1994م.







• حسين، رواء محمود: "العروة الوثقى"، ط1، دار ناشري للنشر الإلكتروني، الكويت، 1434 ه - 2013 م.







• حسين، رواء محمود: "شرعة ومناهج: أصول المنهج العلمي في علم الحكمة الإسلامية"، دار ناشري للنشر الإلكتروني، الكويت، 2014.







• "حكمة بالغة: الإعلان عن علم الحكمة في القرآن الكريم"، شبكة الألوكة، 9/9/2014 ميلادي - 15/11/1435 هجري، على الرابط الآتي: http://www.alukah.net/sharia/0/75741/.







• الشاشي، نظام الدين أبو علي أحمد بن محمد بن إسحاق (المتوفى: 344ه): "أصول الشاشي"، دار الكتاب العربي - بيروت، بدون تاريخ.







• الشافعي، أبو عبدالله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبدالمطلب بن عبدمناف المطلبي القرشي المكي (المتوفى: 204هـ): "الرسالة"، تحقيق أحمد شاكر، ط1، مكتبة الحلبي، مصر، 1358هـ/1940م.







• مسلم بن الحجاج، أبو الحسين القشيري النيسابوري (المتوفى: 261ه): "المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، بدون تاريخ.







[1] ط1، دار ناشري للنشر الإلكتروني، الكويت، 1434 ه - 2013 م.




[2] دار ناشري للنشر الإلكتروني، الكويت، 2014.




[3] شبكة الألوكة، 9/9/2014 ميلادي - 15/11/1435 هجري، على الرابط الآتي: http://www.alukah.net/sharia/0/75741/




[4] أحمد بن علي، أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي (المتوفى: 370هـ): "الفصول في الأصول"، ط2، وزارة الأوقاف الكويتية، 1414هـ - 1994م، 3 / 235.




[5] الشافعي، أبو عبدالله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبدالمطلب بن عبدمناف المطلبي القرشي المكي (المتوفى: 204هـ): "الرسالة"، تحقيق أحمد شاكر، ط1، مكتبه الحلبي، مصر، 1358هـ/1940م، 1 / 32.




[6] نظام الدين أبو علي أحمد بن محمد بن إسحاق الشاشي (المتوفى: 344ه): "أصول الشاشي"، دار الكتاب العربي - بيروت، بدون تاريخ، ص 269.




[7] محمد بن إسماعيل، أبو عبدالله البخاري الجعفي: "الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه"، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، ط1، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبدالباقي، 1422هـ، 1 / 12.




[8] صحيح البخاري، 1 / 12.




[9] صحيح البخاري، 1/ 12.




[10] مسلم بن الحجاج، أبو الحُسين القشيري النيسابوري (المتوفى: 261ه): "المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، بدون تاريخ، 4 / 1782.




[11] صحيح مسلم بن الحجاج، 4 / 1782.




[12] صحيح مسلم بن الحجاج، 4 / 1782.




[13] محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد، شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ): "زاد المعاد في هدي خير العباد"، ط 27، مؤسسة الرسالة، بيروت - مكتبة المنار الإسلامية، الكويت، 1415هـ /1994م، 1 / 70.




[14] صحيح البخاري، 1 / 7.




[15] صحيح مسلم بن الحجاج، 1/ 36.

__________________

سبحان الله وبحمدة .. سبحان الله العظيم
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


| أصدقاء منتدى منجم الإبداع |


الساعة الآن 09:48 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, vBulletin Solutions, Inc.
جميع الحقوق محفوظه لـ منتدى منجم الإبداع