ننتظر تسجيلك هنا



إضافة رد
  #1  
قديم 03-24-2020, 06:11 PM
الصورة الرمزية ᎻᏦᎯ ᎽᎯ
ᎻᏦᎯ ᎽᎯ ᎻᏦᎯ ᎽᎯ غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Aug 2019
المشاركات: 6,615
افتراضي بلقيس ملكة سبأ

بين صفحات تاريخ العرب قبل الإسلام، صفحة زاهية تحدثنا عن ملكة جليلة راجحة العقل، ملكت في اليمن ملكاً واسعاً، ونهضت بأعباء مملكتها خير نهوض، فشيدت قصوراً عوالي، وخلفت بعدها مجداً لا تطمس معالمه على مدى الدهر، لا تزال آثاره تنطق بعظمته وسناء منـزلته.

فالملكة التي تحمل هذه الصفات هي بلقيس ابنة ذي شرح، ملكة سبأ[1]. وقد اختلف أهل الأنساب بأنها ابنة اليشرح، ويقول بعضهم إنها ابنة ايلي شرح، ويقول بعضهم بن ذي شرح بن ذي جدن بن ايلي شرح ابن الحارث بن قيس بن صفي بن سبأ بن يشجب بن يعرب[2]. وفي رواية إنها بلقيس ابنة الهدهاد ابن شرحبيل بن عمرو بن غالب بن السياب..... بن سبا[3].

فلما وليت بلقيس الملك ازدرى قومها بمكانها، لما كانت امرأة وأنفوا من أن يلي أمرهم امرأة. وبلغ ذلك عمراً ذا الأذعار، فجمع الجيوش ونهض إلى بلقيس فلم تكن لها طاقة، فهربت مكتتمة بأخيها عمرو ابن الهدهاد وهما في زي أعرابيين حتى أتت جعفر بن قرط الأسدي.

ثم عملت على حيلة دبرتها، فدخلت على خصمها عمرو ذي الأذعار، وقد بهره جمالها، فأمر بالخمر ينادمها كما كان ينادم بنات الملوك ويفعل بهن، فلما أخذت الخمر منه همّ بها، فقالت أيها الملك سترى مني من المال أكثر مما رأيت من الحرص، حاجتي فيك أعظم من حاجتك فيّ، وسامرته أحسن مسامرة، فألهاه ما سمع منها وما أعطته من نفسها من القرب وهي تعمل فيه بالخمر دأباً، حتى علمت أن الخمر عملت فيه فقدمت إليه وسلت مديتها من قرونها، ثم نحرته. فلما مات جرته فألقته في ركن مجلسه وألقت عليه بعض فرش المجلس، ثم خرجت إلى الحرس في جوف الليل، وقالت لهم يأمركم الملك بفلان أن تأتوا به. فلما أتوا به وكان يتبعه ألوف من حمير، فلم تزل ترسل إلى ملوك حمير وأبناء الملوك المسموع منهم المتبوعين، فلما اجتمعوا إليها في قصر غمدان، خرجت عليهم فقالت لهم: إن الملك قد تزوجني على أني برئت إليه من ملكي في حياته وأنتم تعلمون أنه لا يولد له، فلما علم مني الخضوع بحقه والاستسلام لإرادته والطاعة لأمره، فوض إلي بعده ورآني أهلاً له وأمرني أن آخذ عليكم بذلك عهداً. قالوا: سمعاً وطاعة للملك فيما أراد، فأخذت عليهم العهد أن لها الملك بعد عمرو. فلما توثقت منهم قالت لهم: هل تسمعون من الملك فأدخلتهم المجلس وقالت لهم ها هو ذا وكشفت عنه فرأوه قتيلاً، قالوا لها من فعل هذا به؟ قالت لهم: أنا ولي العهد عليكم بالملك بعد موته، وهذا هو قد مات وعهده لكم لازم، قالوا لها: أنت أولى بالملك إذ أرحتنا من هذا الرجس الجائر. فوليت بلقيس ملكهم.

ولما وليت بلقيس ملك حمير، قال حمير: رجع الملك إلى نجلته الأولى. ثم جمعت الجيوش العظيمة وسارت إلى مكة، فاعتمرت وتوجهت إلى أرض بابل، فغلبت على من كان بها من الناس وبلغت أرض نهاوند وآذربيجان ثم قفلت إلى اليمن.

ومن الأعمال العمرانية التي قامت بها بلقيس، فرفعت مجدها إلى أبعد صيت ترميمها سد مأرب، الذي كان الزمان قد أضره وخلخل أوصاله. وبلقيس هذه هي صاحبة الصرح الذي ذكره الله في القرآن العظيم في قصة سليمان، وينسب إليها أيضاً قصر بلقيس الذي بمأرب، وكان سليمان ينـزل عليها حين تزوجها فيه إذا جاءها[4].

وكان لبلقيس حراس من الرجال الذين يؤازرونها، وبطانة من النساء، وكان عندها ثلاث مئة وستون امرأة من بنات أشراف حمير، فكانت تحبس الجارية حتى تبلغ، ثم تحدثها حديث الرجال، فإذا رأتها قد تغير لونها ونكست رأسها؛ عرفت أنها أرادت الرجال فسرحتها إلى أهلها، ووصلتها وزوجتها وأحسنت إليها ولا تزوجها إلا من أشراف قومها، وإذا رأتها مستمعة لحديثها معظمة لها أطالت النظر غير متغيرة اللون ولا مستحية من الحديث؛ علمت أنها تريد فراقها وأن الرجال ليسوا من بالها.

وكانت بلقيس صائنة لنفسها، غير واقعة في المساوي، ولا غافلة عن المكارم، وكانت لا أرب لها في الرجل، فظلت عذراء حتى تزوجها سليمان عليه السلام.

وأما خبر بلقيس مع سليمان الحكيم: فلما ألقي إليها كتاب سليمان عليه السلام وسقط في حجرها، قالت: إنه كتاب كريم، وأشفقت منه فأخذته وألقت عليه ثيابها، وأمرت بسريرها فأخرج، فخرجت فقعدت عليه ونادت في قومها: ﴿ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ * قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ * قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ﴾ [النمل: 29 - 35]. فلماء جاء سليمان الهدية، ﴿ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ ﴾ - إلى قوله ﴿ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾[5].
وذكر ابن عباس أنه كان معها ألف قيل وأهل اليمن يسمون القائد قيلاً مع كل قيل عشرة آلاف[6].

وكان سليمان عليه السلام رجلاً مهيباً لا يبتدئ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يومئذ فجلس على سريره فرأى رهجاً قريباً منه فقال ما هذا؟ قالوا، بلقيس يا رسول الله، قال وقد نـزلت منا بهذا المكان وهو بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ، فأقبل سليمان على جنوده فقال: ﴿ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾؟ فأتي له بعرشها.

ثم بعثت بلقيس لسليمان بهدية اختارت أربعين رجلاً لم تدع في أبناء الملوك أجمل منهم ولا أعقل ولا أرشد ثقة ولا أبعد غاية ولا أعلى صوتاً، وكانت الهدية التي أرسلتها لسليمان مئة وصيف ومئة وصيفة ولدوا في شهر واحد وليلة واحدة، وأرسلت إليه بحق مملوء ذهباً وفضة ودراً وياقوتاً وزبرجداً وزمرداً، وختمت على الحق وألبست الوصائف والوصفاء زياً واحداً ليظن من رآهم أنهم كلهم غلمان، وأرسلت إليه بخيل عتاق ذكور وإناث، وقالت لرسلها مروه يخبر كم بفرق بين الذكور والإناث من الخيل بعضها من بعض من غير أن يخبره أحد، ومروه أن يخبركم بما في الحق الذي لا اختلاف فيه، وإياكم أن يجيب كل واحد عن نفسه فيقع الاختلاف فيرتاب منكم، فمضوا.

وجمعت بلقيس أشراف حمير فقالت: خذوا في أهبة الحرب، فجمعت الجيوش واستعدت للحرب وقالت لقومها: إن هو قبل الهدية ولم يرد الحرب ودعا إلى الله، فهو نبي فاتبعوه، وإن هو لم يقبل الهدية ولم يعلمنا بما سألناه، فهو ملك من ملوك الدنيا حاربناه فما لأحد بنا طاقة، وإن كان نبياً فما لنا بالله طاقة.

ولما رجعت الرسل إلى بلقيس بما قال سليمان قالت: قد والله عرفت ما هذا بملك وما لنا به من طاقة وما نصنع بمكاثرته شيئاً، وبعثت إليه أني قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك.

ثم سارت في مئة رجل وعشرين رجلاً من أشراف قومها ورؤسائها وأخيارها مع كل رجل من وجوه جنده وأفاضل أصحابه وقادة خيله مئة رجل، ثم جمعت أبناء الملوك ثم قالت: معاشر حمير أنتم تلاد الله اصطفاكم من أول الدهور، وفضلكم بأفضل الأمور، وقد ابتلاكم بهذا النبي سليمان بن داود، فإن آمنتم وشكرتم، زادكم الله نعمة، وإن كفرتم، سلبكم النعم، وسلط عليكم النقم. فقالوا لها: الأمر إليك. وعلموا أنها شفيقة عليهم ناصحة لهم. فخرجت إلى سليمان في مئة ألف واثني عشر ألفاً وتركت جميع أجنادها بغمدان وبمأرب[7].
وفي رواية أن بلقيس شخصت إلى سليمان عليه السلام في اثني عشر ألف قيلٍ معها من ملوك اليمن، تحت يدي كل قيل منهم ألوف كثيرة[8].

وتوفيت بلقيس بعد قتل ولدها رحبعم بن سليمان بأنطاكية بسنة واحدة، وقد رثاها النعمان بن الأسود ابن المعترف بن عمرو بن يعفر الحميري بقوله:
أخرج الموت من ذرى قصر بينو ♦♦♦ ن هماماً على الجماد يدورُ

والقصيدة طويلة ذكرها الهمداني إلى أن قال:
كل عمر وإن تطاول دهراً ♦♦♦ بعده الموت ذاك عمر قصيرُ



[1] الإكليل للهمداني ج 8.

[2] تاريخ الطبري.

[3] كتاب التيجان في ملوك حمير عن وهب بن منبه.

[4] أخبار مكة للأزرقي طبع أوربا.

[5] سورة النمل.

[6] تاريخ الطبري.

[7] كتاب التيجان في ملوك حمير.

[8] تاريخ الطبري.

__________________

سبحان الله وبحمدة .. سبحان الله العظيم
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


| أصدقاء منتدى منجم الإبداع |


الساعة الآن 08:44 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, vBulletin Solutions, Inc.
جميع الحقوق محفوظه لـ منتدى منجم الإبداع